أبي منصور الماتريدي
323
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ الأنعام : 109 ] ؛ حيث قال : « اختلف فيه : قال الحسن وأبو بكر الأصم : إنه خاطب بقوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ، فقال : وَما يُشْعِرُكُمْ أي : ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءتكم آية ، ثم استأنف ، فقال : أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ . . . وهكذا كان يقرؤه الحسن بالخفض : أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ على الاستئناف والابتداء . وقال غيرهم من أهل التأويل : الخطاب لأصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وذلك أنهم لما قالوا : لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية : يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون ؛ فقال لهم : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ على طرح « لا » ، أي : ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون . وهكذا كأنه أقرب . ويحتمل وجها آخر : وهو أن أهل الإسلام قالوا : إنهم وإن جاءتهم آية لا يؤمنون ، فقال عند ذلك : وَما يُشْعِرُكُمْ خاطب به هؤلاء أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ . والثاني : أنهم وإن آمنوا بها إذا جاءت ، فنقلب أفئدتهم من بعد » . وعلى كل حال فما نقله الماتريدي عن أهل التأويل أو أهل التفسير ، فإنه لم يقف - في الجملة - حياله عاجزا ، بل حاور سابقيه ، ورد أقوالهم ونقدها وفندها أحيانا ، وزاد عليها أحيانا أخرى . خامسا : علم الكلام : سبق أن بينا أن للماتريدي مذهبا اعتقاديا ينصر فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وبينا بشيء من التفصيل الفارق بين مذهبه والمذاهب الأخرى ، وبخاصة الأشعرية . وتفسير الماتريدي لا يخلو من آراء كلامية ، سواء صرح بذكر قائليها أو لم يصرح ، ولعلنا نعرض لبعض النماذج التي تؤيد ما نقول . يقول الماتريدي عند تفسير قول الله تعالى : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 36 ] : « الحياة حياتان : مكتسبة : وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات ، وحياة منشأة : وهي حياة الأجسام ، فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة ، وأما المؤمن فله الحياتان جميعا ؛ المكتسبة والمنشأة ، فيسمي كلّا بالأسماء التي اكتسبها ، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك ، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة ، فسماه بذلك » .